عبد الله بن محمد المالكي

357

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

وقال محمد بن سحنون « 89 » : « قلت لسحنون : إن فلانا لا يأتي الوالي ولا القاضي إلا بالليل ، فكتب إليه بعض إخوانه : إن الذي يراك بالنهار هو يراك في الليل ، والسلام » . فأعجب سحنون بما كتب به إليه وقال على إثر هذا : « ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه ، فيسأل عنه فيقال : « هو عند الأمير ، هو عند الوزير ، هو عند القاضي » . فإن هذا وشبهه لأشر من علماء بني إسرائيل ، لأنه بلغني أنهم كانوا يلقونهم من الرخص بما يحبون مما [ ليس ] « 90 » عليه العمل وما هو متروك ، ويتركون أن يلقوهم « 91 » بما عليه العمل وفيه النجاة [ لهم ] « 90 » ، كراهية أن يستثقلوهم « 92 » . ولعمري لو فعلوا ذلك لربحوا « 93 » ولوجب أجرهم على اللّه عزّ وجل ، فو اللّه لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم ، فو اللّه ما أكلت [ لهم لقمة ] « 94 » ، ولا شربت لهم جرعة ، ولا لبست لهم ثوبا ، ولا ركبت لهم دابة ، ولا أخذت لهم صلة . وإني لأدخل عليهم فأكلمهم بالتشديد ، وبما عليه العمل وفيه النجاة ، ثم أخرج من عندهم فأنظر في أمري فأجد عليّ الدرك ، مع ما ألقاهم به من الشدّة والغلظة وكثرة مخالفتني لهم ووعظي لهم ، فوددت أني [ أنجو مما ] « 94 » دخلت فيه كفافا ، لا عليّ ولا لي » « 95 » . / قال : « وكنت أسمع منه يقول : إنه يقال : إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم » . وقال زيدان « 96 » بن إسماعيل : « سمعت سحنونا يقول - وقد ذكر بعض هذه المواجل « 97 » التي بناها هؤلاء الولاة فقال : « إنما هي حجارة ، جمعوا

--> ( 89 ) الخبر في المدارك 4 : 76 والمعالم 2 : 96 - 97 . وأوله في جامع بيان العلم وفضله 1 : 227 . ( 90 ) زيادة ( م ) والمدارك والمعالم . ( 91 ) في الأصول : يلقونهم . والمثبت من المدارك . ( 92 ) في الأصل يستثقلونهم . والمثبت من ( م ) والمصادر . ( 93 ) في المدارك والمعالم : لنجوا . ( 94 ) موضع خرق بالأصل بسبب سوس أتممناه من ( م ) والمصادر . ( 95 ) الخبر في المدارك 4 : 79 ( بتصرف ) . ( 96 ) في الأصول : زيد . وهو زيدان بن إسماعيل الواسطي الأزدي . من أصحاب سحنون ولد في سنة 120 وتوفي سنة 193 وقيل قبلها . المدارك 4 : 412 - 413 . ( 97 ) في الأصل : المياجل . وأخذنا برواية ( م ) والمدارك . وهو في الأصل البركة العظيمة التي تستنقع فيها المياه . وينظر عن صيغة جمعه وآراء العلماء في ذلك ( اللسان : مجل ) .